لما اشتد الحصار على عثمان بن عفان خرجت عائشة أم المؤمنين إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها محمد بن أبي بكر فأبى. فقالت: أقم والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن. وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم. فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميمية. فقال: يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف وانصرف ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر. وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد من يمنعني لا والله ولا أعتبر ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء. ولما قتل عثمان بن عفان وبويع علي بن أبي طالب لخمس بقين من ذي الحجة سنة 36هـ هرب بنو أمية وتساقط الهراب إلى مكة وعائشة مقيمة بمكة تريد عمرة المحرم فلما تساقط إليها أولئك استخبرتهم فأخبروها أن قد قتل عثمان ولم يجبهم إلى التأمير أحد فقالت عائشة: ولكن أكياس هذا غب ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح. حتى إذا قضت عمرتها وخرجت فانتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث وكانت واصلة لهم رفيقة عليهم يقال له: عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمه أم كلاب. فقالت له: مَهْيَم. قال: قتلوا عثمان فمكثوا ثمانياً. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ردوني ردوني إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً والله لأطلبن بدمه. ثم أقبلت فقالت: أقتل أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم. فقالت: فرحمه الله وغفر له أما والله لقد كنتم إلى تشييد الحق وتأييده وإعزاز الإسلام وتأكيده أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه من طاعة من خالف عليه ولكن كلما زادكم الله نعمة في دينكم ازددتم تثاقلاً في نصرته طمعاً في نصرته طمعاً في دنياكم أما والله لهدم النعمة أيسر من بنائها وما الزيادة إليكم بالشكر بأسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر وأيم الله لئن كان فني أكله واحترمه أجله لقد كان عند رسول الله كزارع البكرة الأزهر ولئن كانت الإبل أكلت أوبارها أنه لصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد عهدت الناس يرهبون في تشديد ثم قدح حب الدنيا في القلوب ونبذ العدل وراء الظهور ولئن كان برك عليه الدهر بزوره وأناخ بكلكله إنها لنوائب تترى تلعب بأهلها وهي جادة وتجدبهم وهي لاعبة ولعمري لو أن أيديكم تقرع صفاته لوجدتموه عند تلظي الحرب متجرداً ولسيوف النصر متقلداً ولكنها فتنة قدحت فيها أيدي الظالمين أما والله لقد حاط الإسلام وأكده وعضد الدين وأيده ولقد هدم الله به صياصي الكفر وقطع به دابر المشركين ووقم به أركان الضلالة فلله المصيبة به ما أفجعها والفجيعة به ما أوجعها صدع الله بمقتله صفة الدين وثلمت مصيبته ذروة الإسلام بعده وجعل لخير الأمة عهده. فقال لها ابن أم كلاب ولم فوالله من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلاً فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل وعثمان قد أبلى سنته. وفي رواية لابن أبي الحديد أن عائشة قالت لما بلغها بيعة علي: لوددت أن هذه وقعت على هذه ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة وأخذت تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحداً قتلوا ابن عفان مظلوماً. ولبى دعوة عائشة أمهات المؤمنين وآزرنها في المطالبة بدم عثمان وإنزال العقوبة بقتلته وكان رأيهن أن تقصد عائشة المدينة فلما تحول رأيها إلى أهل البصرة تخلين عنها واستنكفن عن مرافقتها. وأما حفصة فأرادت الخروج مع عائشة فعزم عليها أخوها عبد الله بن عمر أن تقعد فقعدت وبعثت إلى عائشة أن عبد الله حال بيني وبين الخروج. فقالت عائشة: ليغفر الله لعبد الله. وأما أم سلمة فلما رأت صنع عائشة أظهرت موالاتها لعلي بن أبي طالب وناصرته وكتبت إلى عائشة: أما بعد فإنك سدة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أمته وحجابك مضروب على حرمته قد جمع القرآن الكريم ذيلك فلا تبذليه وسكن عقيرتك فلا تضيعيه. الله من وراء هذه الأمة قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد إليك وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال. ولا يرأب بهن إن انصدع خمرات النساء غض الأبصار وضم الذيول. ما كنت قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات على قعود من الإبل من منهل إلى منهل أن يعين الله مهواك وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تردين وقد هتكت حجابه الذي ضربه الله عليك عهيداه ولو أتيت الذي تريدين ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجاباً قد ضربه علي فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك فابغيه منزلا لك حتى تلقيه فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه ولو ذكرتك كلاماً قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنهشتني نهش الحية والسلام. فكتبت عائشة إلى أم سلمة: ما أقبلني لوعظك وأعلمني بنصحك وليس مسيري على ما تظنين ولنعم المطلع مطلع فرقت فيه بين فئتين متناجزتين فإن أقدر ففي غير حرج وإن أحرج ما لي ما لا غنى بي عن الازدياد منه والسلام. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: أن عائشة جاءت إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله وآله صلى الله عليه وسلم يقسم لنا من بيتك وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت أم سلمة لأمر ما قلت هذه المقالة. فقال عائشة: إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا. فقالت أم سلمة: إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلا وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أفأذكرك؟ قالت: نعم. قالت: أتذكرين يوم أقبل عليه السلام ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال خلا بعلي بناحية فأطال فأردت أن تهجمين عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما. فما لبثت أن رجعت باكية. فقلت ما شأنك؟ فقلت: إني هجمت عليهما وهما يتناجيان فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمر الوجه فقال: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان. فرجعت نادمة ساقطة. قالت عائشة: نعم أذكر ذلك. قالت: وأذكرك أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيساً وكان الحيس يعجبه فرفع رأسه وقال: يا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط فرفعت يدي من الحيس فقلت أعوذ بالله وبرسوله من ذلك ثم ضرب على ظهرك وقال: إياك أن تكونيها ثم قال: يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميراء أما أنا فقد أنذرتك. قالت عائشة: نعم أذكر هذا. قالت: وأذكر أيضاً كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفهما ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل شجرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحادثانه فيما أرادا ثم قالا: يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً. فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران فسكتا ثم خرجا. فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له وكنت أجرأ عليه منا من كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟ فقال: خاصف النعل. فنزلنا فلم نر أحداً إلا علياً فقلت يا رسول الله ما أرى إلا علياً. فقال هو ذاك. فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك. فقالت: فأي خروج تخرجين بعد هذا؟ فقالت: إنما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر إن شاء الله. فقالت أنت ورأيك. فانصرفت عائشة عنها وكتبت أم سلمة بما قالت. وغدا مروان إلى طلحة والزبير فقال لهما عاودا عبد الله بن عمر فلعله ينيب فعاوداه فتكلم طلحة فقال: يا أبا عبد الرحمن إنه والله لرب حق ضيعناه وتركناه فلما حضر الذر قضينا بالحق وأخذنا بالحظ إن علياً يرى إنفاذ بيعته وإن معاوية لا يرى أن يبايع له وإنا نرى أن نردها شورى فإن سرت معنا ومع أم المؤمنين صلحت الأمور وإلا فهي الهلكة. فقال عبد الله بن عمر: إن يكن قولكما حقاً ففضلاً ضيعت وإن يكن باطلاً فشر منه نجوت واعلما أن بيت عائشة خير من هودجها وأنتما المدينة خير لكما من البصرة والذل خير لكما من السيف ولن يقاتل علياً إلا من كان خيراً منه وأما الشورى فقد والله كانت وأخرتما ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها فاكفياني أنفسكما. فانصرفا. فقال مروان: استعينا عليه بحفصة. فأتيا حفصة فقالت لهما: لو أطاعني أطاع عائشة دعاه فاتركاه. واشترى يعلى بن أمية جملاً يقال له عسكر بأربعمائة درهم وقيل بمائتي درهم وقيل بثمانين ديناراً وحمل عليه عائشة في هودج قد أُلبس جلود النمر ثم أُلبس فوق ذلك دروع الحديد. ثم نادى المنادي إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان فليتبعنا. فبلغ عدد رجالهما ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب. فبلغوا جميعاً ألفاً مجهزين بالمال. ثم نادوا بالرحيل واستقلوا ذاهبين ثم خرجت عائشة أم المؤمنين فتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فلم ير يوم كان أكثر باكياً على الإسلام أو باكياً له من ذلك اليوم حتى دعي ذلك اليوم بيوم النحيب. وأمّرت عائشة على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب أسيد فكان يصلي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل. وخرج معها مروان بن الحكم وسائر بني أمية إلا من خشع وأخذوا معهم دليلاً يقال له العُرَنى فسار معهم فكان لا يمر على واد ولا ماء إلا سألوه عنه حتى طرقوا ماء الحوأب فنبحتهم كلابها. فقالوا: أي ماء هذا؟ قال: ماء الحوأب. فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقاً ردوني تقول ذلك ثلاثاً. فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد فجاء ابن الزبير فقال: النجاء النجاء فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب فارتحلوا وشتموا الدليل وصرفوه. ثم مضوا حتى عاجوا عن الطريق فصاروا بفناء البصرة فلقيهم عمير بن عبد الله التميمي فقال: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على قوم لم تراسلي منهم أحداً فيكفيكهم. فقالت: جئتني بالرأي وأنت امرؤ صالح. فقال: فعجلي ابن عامر فليدخل فإن له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه فأرسلته فاندس إلى البصرة فأتى القوم. ثم خرج أبو الأسود وعمران من عند عائشة فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. قالا: ألم تبايع علياً؟ قال: بلى واللُّج على عنقي وما استقيل علياً إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم تكلمت عائشة وكانت جهورية يعلو صوتها كَثْرَةً كأنه امرأة جليلة فحمدت الله عز وجل وأثنت عليه وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ويزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ويرون حسنا من كلامنا وإصلاحاً بينهم فننظر في ذلك فنجده برياً تقياً ونجدهم فجرة غدرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر إلا أن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره أخذ قتلة عثمان وإقامة كتاب الله عز وجل. ألم ترَ إلى الذين أُتوا نصيباً من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم (الآية). فلما سمع القوم كلام عائشة افترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة صدقت والله وأبرت وجاءت والله بالمعروف. وقالت الأخرى كذبتم والله ما نعرف ما تقولون فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا. ثم أقبل جارية بن قدامة السعدي فقال: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح. إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس. ثم خرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير فقال: أما أنت يا زبير فحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أنت يا طلحة فوقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدك وأرى أمكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا. قال: فما أنا منكما في شيء واعتزل. وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة وكان محمد رجلاً عابداً فقال: أخبرني عن قتلة عثمان فقال: نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث ثلث على صاحبة هذا الهودج يعني عائشة وثلث على صاحب الجمل الأحمر يعني طلحة وثلث على علي بن أبي طالب وضحك الغلام وقال ألا أراني على ضلال ولحق بعلي ثم خرج أبو الأسود وعمران وأقبل حكيم بن جبلة وقد خرج وهو على الخيل فأنشب القتال وأشرع أصحاب عائشة رماحهم وأمسكوا ليمسكوا فلم ينته ولم ينثن فقاتلهم وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها ويقول: إنها قريش ليُردينّها جبنها والطيش واقتتلوا على فم السمكة وإشراف أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوى فرموا باقي الآخرين بالحجارة. وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أما بعد فإني أذكركم الله عز وجل والإسلام أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه اتقوا الله واعتصموا بحبله وكونوا مع كتابه فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده فأجابنا الصالحون إلى ذلك. واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح وقالوا لنتبعنكم عثمان ليرتدوا الحدود تعطيلاً فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا المنكر فقرأنا عليهم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم) فأذعن لي بعضهم واختلفوا بينهم فتركناهم وذلك فلم يمنع ذلك من كان منهم على رأيه الأول من وضع السلاح في أصحابي وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله عز وجل بالصالحين فرد كيدهم في نحورهم فمكثنا ستاً وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده وهو حقن الدماء أن تهرق دون من قد حل دمه فأبوا واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها فخافوا وغدروا وخانوا وحشروا فجمع الله عز وجل لعثمان بن عفان ثأره فأقادهم فلم يفلت منهم إلا رجل وأردنا الله ومنعنا منهم بعُمير بن مَرْثَد ومرثد بن قيس ونفر من قيس ونفر من الرباب والأزد فألزموا الرضى إلا عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقه ولا تخاصموا عن الخائنين ولا تمنعوهم ولا ترضوا بذوي حدود الله فتكونوا من الظالمين فكتبت إلى رجال بأسمائهم فثبطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم واجلسوا في بيوتكم فإن هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان وفرقوا بين جماعة الأمة وخالفوا الكتاب والسنة حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر وقالوا لنا المنكر فأنكر ذلك الصالحون وعظموا ما قالوا وقالوا ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم إن أمرتكم بالحق لتقتلوها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة المسلمين فعزموا وعثمان بن حنيف معهم على من أطاعهم من جهال الناس وغوغائهم على زُطهم وسيابجهم فلذنا منهم بطائفة من الفسطاط فكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوماً ندعوهم إلى الحق وألا يحولوا بيننا وبين الحق فغدروا وخانوا فلم نقايسهم احتجوا ببيعة طلحة والزبير فأبردوا بريداً فجاءهم بالحجة فلم يعرفوا الحق ولم يصبروا عليه. وجمع الله عز وجل كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزبير وطلحة فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر. وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة 36هـ. وأما علي بن أبي طالب فقد إليه قثم بن عباس يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة يريدون البصرة وقد استنفروا الناس فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب. فلما قدم على علي بن أبي طالب كتابه غمه ذلك وأعظمه الناس وسقط في أيديهم وقال: بليت بأطوع الناس في الناس عائشة وبأدهى الناس طلحة وبأشجع الناس الزبير وبأكثر الناس مالاً يعلى بن منية وبأجود قريش عبد الله بن عامر. فقام إليه رجل من الأنصار فقال: والله يا أمير المؤمنين لأنت أشجع من الزبير وأدهى من طلحة وأطوع فينا من عائشة وأجود من ابن عامر ولمال الله أكثر من مال يعلى بن منية ولتكونن كما قال الله عز وجل “فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون”. فسر علي بن أبي طالب بقوله. وقام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا أمير المؤمنين إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة لأن هذين الرجلين حلال الدم عندنا لبيعتهما ونكثهما ولأن عائشة من علمت مقامها في الإسلام ومكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك. ولكنهما يقدمان البصرة وليس كل أهلها لهما وتقوم الكوفة وكل أهلها لك وتسير بحقك إلى باطلهم ولقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام فيقال: صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين فيشتد البلاء وتعظم الفتنة فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إليه طاعتك وسبقوا إلى بيعتك وحكم عليهم عاملك ولا والله ما معهما مثل من معك ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه فسر فإن الله معك وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا. وأقبل أبو قتادة على علي يقول: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلدني هذا السيف وقد شيمته فطال شيمه قد أتى تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألوا الأمة غشاً فإن أحببت أن تقدمني فقدمني. وقامت أم سلمة فقالت: يا أمير المؤمنين لولا أن أعصي الله عز وجل وأنك لا تقبله مني لخرجت معك وهذا ابني عمر لهو أعز علي من نفسي يخرج فيشهد مشاهدك فخرج. وكتب إليهم كتاباً بعثه مع محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر. أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعه كمن عاينه إن الناس طعنوا على عثمان فكنت رجلاً من المهاجرين أُقل عيبه وأكثر استعتابه وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه اللهجة والوجيف وكان من عائشة فيه قول على غضب فانتحى له قوم فقتلوه وبايعني الناس غير مستكرهين وهما أول من بايعني على ما بويع عليه من قبلي ثم استأذنا إلى العمرة فأذنت لهما فنقضا العهد ونصبا الحرب وأخرجا أم المؤمنين من بيتها ليتخذاها فتنة. وإني اخترتكم على الأمصار وفزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين الله أعوانا ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحق وغمصه. وبقي علي بالربذة يتهيأ وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد من دابة وسلاح. ثم قام في الناس فخطبهم فقال: إن الله عز وجل أعزنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخوانا بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم والحق فيهم والكتاب إمامهم حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة ألا إن هذه الأمة لا بد متفرقة كما افترقت الأمم قبلهم فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي فقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم واهدوا بهدى نبيكم صلى الله عليه وسلم واتبعوا سنته واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردوه وارضوا بالله عز وجل رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وبالقرآن حكماً وإماماً. ثم تكلم عمار فقال: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنفركم إلى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى طلحة والزبير وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة فانظروا ثم انظروا في الحق فقاتلوا معه. وأصبح علي على ظهر فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عبد القيس نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك. ثم ارتحل حتى نزل على أهل الكوفة وهم أمام ذلك والناس متلاصقون به وقد قطعهم. ثم قام علي فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس املكوا أنفسكم وكفوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم فإنهم إخوانكم واصبروا على ما يأتيكم وإياكم أن تسبقونا فإن المخصوم غداً من خصم اليوم ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التي قدم فيها حتى إذا أطل على القوم بعث إليهم حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا وأقرّونا ننزل وننظر في هذا الأمر. فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين قد منعوا حرقوص بن زهير ولا يرون القتال مع علي بن أبي طالب.فقال: يا علي إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم. فقال: ما مثلي يخاف هذا منه وهل يحل هذا إلا ممن تولى وكفر ألم تسمع إلى قول الله عز وجل “لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر” وهم قوم مسلمون هل أنت مُغن عني قومك؟ قال: نعم. واختر مني واحدة من اثنتين إما أن أكون آتيك فأكون معك بنفسي وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف. واعتزل قوم القتال فأرسل عمران بن حصين في الناس يخذل من الفريقين جميعا كما صنع الأحنف وأرسل إلى بني عدي فيمن أرسل. فأقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم. ألا إن أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حصين مع أعنز خضر وضأن أجز أصوافها وأشرب ألبانها أحب إلي من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم. فقالت بنو عدي جميعاً بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء يعنون أم المؤمنين. وقال كعب بن سور لصبرة بن شيمان رأس الأزد يومئذ: إن الجموع إذا تراءوا لم تستطع وإنما هي بحور تدفق فأطعني ولا تشهد واعتزل بقومك فإني أخاف ألا يكون في الصلح، وكن وراء هذه النطفة ودع هذين الغارين من مضر وربيعة فهما أخوان فإن اصطلحا فالصلح ما أردنا وإن اقتتلا كنا حكاماً عليهم غداً. فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية أتأمرني أن أغيب عن إصلاح الناس وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردوا عليهم الصلح وأدع الطلب بدم عثمان لا والله لا أفعل ذلك أبداً فأطبق أهل اليمن على الحضور. ثم تعبأ أنصار عائشة أم المؤمنين للقتال وعدد جيشها ثلاثون ألفاً فكانت الحرب للزبير وعلى الخيل طلحة وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير وعلى القلب محمد بن طلحة وعلى المقدمة مروان وعلى رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة وعلى الميسرة هلال بن وكيع. وعبأ علي الناس للقتال فبلغ رجال جيشه عشرين ألفاً فاستعمل على المقدمة عبد الله بن عباس وعلى الساقة هند المرادي وعلى جميع الخيل عمار بن ياسر وعلى جميع الرجالة محمد بن أبي بكر. ثم علي إلى طلحة والزبير: أما بعد فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني ولم أبايعهم حتى بايعوني وإنكما لممن أراد وبايع وإن العامة لم تبايعني لسلطان خاص فإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية وإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا إلى الله من قريب. أنت يا زبير لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين وإن دفاعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به وقد زعمتما أني قتلت عثمان فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إلى قتلة أبيهم وما أنتما وعثمان إن كان قتل ظالماً أو مظلوماً وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما وإخراجكما أمكما. وكتب علي إلى عائشة: أما بعد فإنك خرجت غاضبة لله ولرسوله تطلبين أمراً كان عنك موضوعاً ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس تطلبين بدم عثمان ولعمري لمن عرضك للبلاء وحملك على المعصية أعظم إليك ذنباً من قتلة عثمان وما غضبت حتى أغضبت وما هجت حتى هيجت فاتقي الله وارجعي إلى بيتك. فأجابه طلحة والزبير: إنك سرت مسيراً له ما بعده ولست راجعاً وفي نفسك منه حاجة فامض لأمرك أما أنت فلست راضياً دون دخولنا في طاعتك ولسنا بداخلين فيها أبداً فاقض ما أنت قاض. وكتبت عائشة لعلي: جلَّ الأمر عن العتاب والسلام. ثم بعث علي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير. كما بعث طلحة والزبير محمد بن طلحة إلى علي وأخذ يكلم كل واحد منهما أصحابه غير أن تلك الجهود التي بذلها الرسولان لم تتكلل بالنجاح وأدت إلى خروج الزبير وطلحة في وجوه الناس من مضر فبعثا إلى الميمنة وهم ربيعة يعبؤها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وإلى الميسرة عبد الرحمن بن أسيد وثبتا في القلب فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً فقالا: قد علمنا أن علياً غير منته حتى يسفك الدماء ويستحل الحرمة وأنه لن يطاوعنا. وقال علي لصاحب ميمنته: ائت الميمنة. وقال لصاحب ميسرته ائت الميسرة ولقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء ويستحلا الحرمة وأنهما لم يطاوعانا والسبائية لا تفتر انشابا ونادى علي في الناس: أيها الناس كفوا فلا شيء. فكان من رأيهم جميعاً في تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يُبدَؤا، يطلبون بذلك الحجة ويستحقون على الآخرين ولا يقتلوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح. ولما تواقف الطرفان للقتال أمر علي منادياً ينادي في أصحابه لا يرمين أحد سهماً ولا حجراً ولا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم فأتخذ عليهم الحجة البالغة. ثم كلم علي طلحة والزبير قبل القتال. فقال لهما: استحلفا عائشة بحق الله وبحق رسوله عليها أربع خصال أن تصدق فيها هل تعلم رجلاً من قريش أولى مني بالله ورسوله وإسلامي قبل كافة الناس أجمعين وكفايتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار العرب بسيفي ورمحي وعلى براءتي من دم عثمان؟ فأجابه طلحة جواباً غليظاً ورق له الزبير ثم رجع علي إلى أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين بم كلمت الرجلين؟ فقال: إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج ولن يقاتلكم وأما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل ولقيته باليقين ولقيني بالشك فوالله ما نفعه حقي ولا ضرني باطله وهو مقتول غداً في الرعيل الأول. ثم خرج علي على بغلة رسول الله الشهباء بين الصفين وهو حاسر فخرج إليه الزبير حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد منهما صاحبه وبكيا ثم قال علي: ما جاء بك هاهنا؟ قال: جئت أطلب دم عثمان. قال علي: تطلب دم عثمان قتل الله من قتل عثمان أنشدك الله يا زبير هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على يدك فسلم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك إلي ثم التفت إليك فقال لك: يا زبير إنك تقاتل علياً وأنت له ظالم. قال: اللهم نعم. قال علي: فعلى ما تقاتلني؟ قال الزبير: نسيتها والله ولو ذكرتها لما خرجت إليك ولا قاتلتك. فانصرف علي إلى أصحابه. فقالوا: يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه وأنت حاسر. قال علي: أتدرون من الرجل؟ قالوا: لا. قال: ذلك الزبير بن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنه قد أعطى الله عهداً أنه لا يقاتلكم. إني ذكرت له حديثاً قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو ذكرته ما أتيتك. فقالوا: الحمد لله يا أمير المؤمنين ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره ولا نتقي سواه إنه لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ومن عرفت شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب فإذ قد كفانا الله فلا نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج. ثم دخل الزبير على عائشة فقال: يا أماه ما شهدت موطناً قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن فإنه لا رأي لي فيه ولا بصيرة وإني لعلى باطل. قالت عائشة: يا أبا عبد الله خفت سيوف بني عبد المطلب. فقال: أما والله إن سيوف بني عبد المطلب دوال حداد يحملها فتية أنجاد ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحربك أما أنا فراجع إلى بيتي. فقال له ابنه عبد الله: الآن حين التقت حلقتا البطان واجتمعت الفئتان والله لا نغسل رؤوسنا منها. فقال الزبير لابنه: لا تعد هذا مني جبناً فوالله ما فارقت أحداً في جاهلية ولا . قال: فما يردك؟ قال: يردني ما أن علمته كسرك. فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير. ثم انصرف الزبير راجعاً إلى المدينة فأتاه ابن جرموز فنزل به فقال: يا أبا عبد الله أحييت حرباً ظالماً أو مظلوماً ثم تنصرف أتائب أنت أم عاجز؟ فسكت عنه. ثم عاوده فقال: يا أبا عبد الله حدثني عن خصال خمس أسألك عنها؟ فقال: هات. قال: خذلك عثمان وبيعتك علياً وإخراجك أم المؤمنين وصلاتك خلف ابنك ورجوعك عن الحرب. فقال الزبير: نعم أما خذل عثمان فأمر قدر الله فيه الخطيئة وأخر التوبة وأما بيعتي علياً فوالله ما وجدت من ذلك بداً حيث بايعه المهاجرون والأنصار وخشيت القتل وأما إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمراً وأراد الله غيره. وأما صلاتي خلف ابني فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين ولم يكن لي دون صاحبي أمر. وأما رجوعي عن هذا الحرب فظن بي ما شئت غير الجبن. فقال ابن جرموز: والهفاه على ابن صفية أضرمها ناراً ثم أراد أن يلحق بأهله قتلني الله إن لم أقتله. ثم أتاه فقال له: يا أبا عبد الله كالمستنصح له: إن دون أهلك فيافي فخذ نجيبي هذا وخل فرسك ودرعك فإنهما شاهدان عليك بما تكره. فقال الزبير: انظر في ذلك ليلتي ثم ألح عليه في فرسه ودرعه فلم يزل حتى أخذها منه وإنما أراد ابن جرموز أن يلقاه حاسراً لما علم بأسه. ثم أتى ابن جرموز الأحنف بن قيس فسارره بمكان الزبير عنده وبقوله. فقال له الأحنف: اقتله قتله الله مخادعاً. وأتى الزبير رجل من كلب فقال له: يا أبا عبد الله أنت لي صهر وابن جرموز لم يعتزل هذا الحرب مخافة الله ولكنه كره أن يخالف الأحنف وقد ندم الأحنف على خذله علياً ولعله أن يتقرب بك إليه وقد أخذ منك درعك وفرسك وهذا تصديق ما قلت لك فبت عندي الليلة ثم اخرج بعد نومة فإنك إن فتهم لم يطلبوك. فتهاون بقوله ثم بدا له فقال له: فما ترى يا أخا كلب؟ قال: أرى أن ترجع إلى فرسك ودرعك فتأخذهما فإن أحداً من الناس لا يقدم عليك وأنت فارس أبداً. فأصبح الزبير عادياً وسار معه ابن جرموز وقد كفر على الدرع. فلما انتهى إلى وادي السباع استغفله فطعنه. ثم رجع برأسه وسلبه إلى قومه. فقال له رجل من قومه: يا ابن جرموز فضحت والله اليمن بأسرها قتلت الزبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وابن عمته والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا ولمسنا عارك فكيف في جوارك وذمتك والله ليزيدك علي أن يبشرك بالنار فغضب ابن جرموز وقال: والله ما قتلته إلا له ووالله ما أخاف فيه قصاصاً ولا أرهب فيه قرشياً وإن قتله علي لهين. ونادى علي طلحة بعد انصراف الزبير فقال له: يا أبا محمد ما جاء بك؟ قال: أطلب دم عثمان. قال علي: قتل الله من قتله. قال طلحة: فخل بيننا وبين من قتل عثمان أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما يحل دم المؤمن في أربع خصال زان فيرجم أو محارب لله أو مرتد عن الإسلام أو مؤمن يقتل مؤمناً عمداً فهل تعلم أن عثمان أتى شيئاً من ذلك؟ فقال علي: لا. قال طلحة: فأنت أمرت بقتله. قال علي: اللهم لا. قال طلحة: فاعتزل هذا الأمر ونجعله شورى بين المسلمين فإن رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس وإن رضوا غيرك كنت رجلاً من المسلمين. قال علي: أولم تبايعني يا أبا محمد طائعاً غير مكره فما كنت لأترك بيعتي. قال طلحة: بايعتك والسيف ولو كنت مكرهاً أحداً لأكرهت سعداً وابن عمر ومحمد بن مسلمة أبو البيعة واعتزلوا فتركتهم. قال طلحة: كنا في الشورى ستة فمات اثنان وقد كرهناك ونحن ثلاثة. قال علي: إنما كان لكما أن لا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة. وأما الآن فليس لكما غير ما رضيتما به إلا أن تخرجا مما بويعت عليه بحدث فإن كنت أحدثت حدثاً فسموه لي وأخرجتم أمكم عائشة وتركتم نساءكم فهذا أعظم الحدث منكم، أرضى هذا لرسول الله أن تهتكوا ستراً ضربه عليها وتخرجوها منه. فقال طلحة: إنما جاءت للإصلاح. قال علي: هي لعمر الله إلى من يصلح لها أمرها أحوج أيها الشيخ اقبل النصح وارض بالتوبة مع العار قبل أن يكون العار والنار. وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل الله يصلح بك. فركبت وألبسوا هودجها الأدراع ثم بعثوا جملها عسكراً فلما برزت عائشة من البيوت وكانت بحيث تسمع الغوغاء وقفت فلم تلبث أن سمعت غوغاء شديدة. فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر. قالت: بخير أم بشر؟ قالوا: بشر. قالت: فأي الفريقين كانت منهم هذه الضجة فهم المهزومون. ولم تلبث إلا قليلاً حتى فجئتها الهزيمة. وجاء طلحة سهم غرب يخل ركبته بصفحة الفرس فلما امتلأ موزجه دماً وثقل قال لغلامه: أردفني وأمسكني وابغني مكاناً أنزل فيه. ثم اقتتل الناس بعد طلحة فأقبل الناس في هزيمتهم تلك وهم يريدون البصرة فلما رأوا الجمل أطافت به مضر وعادوا قلباً كما كانوا حيث التقوا وعادوا إلى أمر جديد. ووقفت ربيعة البصرة منهم ميمنة ومنهم ميسرة. وقالت عائشة: حل يا كعب عن البعير وتقدم بكتاب الله عز وجل فادعهم إليه ودفعت إليه مصحفاً وأقبل القوم وأمامهم السبائية يخافون أن يجري الصلح فاستقبلهم كعب المصحف وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقداماً. فلما دعاهم كعب رشقوه رشقاً واحداً فقتلوه ورموا عائشة في هودجها فجعلت تنادي يا بني البقية البقية ويعلو صوتها كثرة الله الله اذكروا الله عز وجل والحساب فيأبون إلا إقداماً فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: أيها الناس: العنوا قتلة عثمان وأشياعهم وأقبلت تدعو حتى ضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي بن أبي طالب الدعاء فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم فأقبل علي يدعو وهو يقول: اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم. ثم أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث اثبتا مكانكما وذمرت الناس حين رأت القوم لا يريدون غيرها ولا يكفون عن الناس فازدلفت مضر بالبصرة فقصفت مضر الكوفة حتى زوحم علي فنخس علي قفا ابنه محمد بن الحنفية وقال له: تقدم. فتقدم حتى لم يجد متقدماً إلا على رمح ثم قال له علي: تقدم لا أم لك. فتكأكأ ونكل وقال: لم أجد متقدماً إلا على سنان رمح. فتناول علي من بين يديه الراية ثم حمل فدخل عسكر عائشة يطعن ويقتل وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا والمجنبات على حالها لا تصنع شيئاً ومع علي أقوام غير مضر فمنهم زيد بن صوحان فقال له رجل من قومه: تنح إلى قومك ما لك ولهذا الموقف ألست تعلم أن مضر بحيالك وأن الجمل بين يديك وأن الموت دونه. فقال: الموت خير من الحياة فأصيب وأخوه سيحان وصرع عبد الله بن رقبة بن المغيرة وأبو عبيدة بن راشد بن سلمى وغيرهم. واشتدت الحرب. فلما رأى ذلك علي بعث إلى اليمن وإلى ربيعة أن اجتمعوا على ما يليكم. فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله عز وجل. قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يقيم حدود الله سبحانه ومن قتل داعي الله كعب بن سور فرمته ربيعة رشقاً واحداً فقتلوه. وقام مسلم بن عبد الله العجلي مقامه فرشقوه رشقاً واحداً فقتلوه ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم. ولما رأت الكماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر تنادوا في عسكر عائشة وعسكر علي يا أيها الناس طرّفوا إذا فرغ الصبر ونزع النصر فجعلوا يتوجؤن الأطراف الأيدي والأرجل فما رؤيت وقعة قط قبلها ولا بعدها ولا يسن عبها أكثر يداً مقطوعة ورجلاً مقطوعة منها لا يدرى من صاحبها. ثم اشتد الأمر حتى أرزت ميمنة الكوفة إلى القلب حتى لزقت به ولزقت ميسرة البصرة بقلبهم ومنعوا ميمنة أهل الكوفة فقالت: إن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم. وفعل مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة. فقالت عائشة لمن عن يسارها: من القوم؟ قال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد. فقالت: ما زال رأس الجمل معتدلاً حتى قتلت بنو ضبة حولي، فأقاموا رأس الجمل ثم ضربوا ضرباً ليس بالتعذير ولا يعدلون بالتطريف حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعاً راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يُصرع وأرزت مجنبتا علي فصارتا في القلب وفعل ذلك أهل البصرة وكره القوم بعضهم بعضاً وتلاقوا جميعاً بقلبيهم. فكان لا يأخذ أحد بالزمام إلا كان يحمل الراية واللواء لا يحسن تركها وكان لا يأخذه إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب لها أنا فلان بن فلان فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت وما رامه أحد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد. ولما اختلط الناس بالقلب جاء عدي بن حاتم فحمل عليه ففقئت عينه ونكل. فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وإنه لأقطع منزوف فاعتنقه ثم جلد به الأرض عن دابته فاضطرب تحته فأفلت وهو جريض. ثم جاء عبد الله بن الزبير فقالت عائشة حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله أنا ابن أختك. قالت عائشة: واثكل أسماء تعني أختها. وانتهى إلى الجمل الأشتر وعدي بن حاتم. فخرج عبد الله بن الزبير فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً. وضرب عبد الله الأشتر ضربة خفيفة واعتنق كل واحد منهما وخرا إلى الأرض يعتركان. فقال عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكاً. ثم شد أناس من أصحاب علي وأصحاب عائشة فافترقا وتنقذ كل واحد من الفريقين صاحبه. وأعطت عائشة الذي بشرها بحياة ابن الزبير عشرة آلاف درهم. ثم أمر علي بن محمد بن أبي بكر أن ينزل عائشة. فأنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي فنزلت عند امرأته صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة. وبلغ عدد قتلى وقعة الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة وكانتوقعة الجمل يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 36. ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة فقسمها على من شهد معه. ثم راح علي إلى عائشة ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده إلى دار عبد الله بن خلف وجهزها بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة 36 وشيعها علي أميالاً. وتوفيت عائشة أم المؤمنين بالمدينة المنورة في 17 رمضان سنة 57هـ وهي ابنة ست وستين سنة ودفنت بالبقيع.
((عائشة ووقعة الجمل)):
  • 0.00 / 5 5
  كيف وجدت هذا المقال؟  
طباعة هذه المقالة طباعة هذه المقالة